جلال الدين السيوطي
604
الإتقان في علوم القرآن
وقال ابن الصّلاح « 1 » . على هذه الطريقة مضى صدر الأمّة وساداتها ، وإياها اختار أئمّة الفقهاء وقاداتها ، وإليها دعا أئمّة الحديث وأعلامه ، ولا أحد من المتكلّمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها . واختار ابن برهان « 2 » مذهب التأويل ، قال : ومنشأ الخلاف بين الفريقين : هل يجوز أن يكون في القرآن شيء لم نعلم معناه ، أولا ، بل يعلمه الراسخون في العلم ؟ وتوسّط ابن دقيق العيد فقال : إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكر ، أو بعيدا توقّفنا عنه ، وآمنّا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه ، قال : وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرا مفهوما من تخاطب العرب قلنا به من غير توقيف ، كما في قوله تعالى : يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر : 56 ] فنحمله على حق اللّه وما يجب له . ذكر ما وقفت عليه من تأويل الآية المذكورة على طريقة أهل السنة « 3 » : من ذلك صفة ( الاستواء ) وحاصل ما رأيت فيها سبعة أجوبة « 4 » : أحدها : حكى مقاتل والكلبيّ ، عن ابن عباس : أن ( استوى ) بمعنى استقرّ ، وهذا إن صحّ يحتاج إلى تأويل ، فإنّ الاستقرار يشعر بالتجسيم . ثانيها : أنّ ( استوى ) بمعنى ( استولى ) . وردّ بوجهين « 5 » : أحدهما : أنّ اللّه تعالى مستول على الكونين والجنة والنار وأهلها ، فأيّ فائدة في تخصيص العرش ؟ والآخر : أنّ الاستيلاء إنما يكون بعد قهر وغلبة ، واللّه سبحانه وتعالى منزه عن ذلك . أخرج اللالكائيّ في « السنّة » ، عن ابن الأعرابي : أنّه سئل عن معنى ( استوى ) فقال : هو على عرشه كما أخبر . فقيل : يا أبا عبد اللّه ، معناه ( استولى ) ؟
--> ( 1 ) انظر البرهان 2 / 78 - 79 . ( 2 ) انظر البرهان 2 / 79 - 80 . ( 3 ) انظر البرهان 2 / 80 . ( 4 ) انظر اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ، وإثبات صفة العلو لابن قدامة ، والعلو للذهبي ، فقد أثبتوا هذه الصفة للّه ، وردّوا على من أنكروها وأوّلوها وحرّفوها . بما يشفي ويغني . ( 5 ) وقد رد الحافظ ابن قيم الجوزية على الذين قالوا : إنّ استوى بمعنى استولى ، من اثنين وأربعين وجها انظر مختصر الصواعق 2 / 126 - 152 . وانظر أصول السنة لابن أبي زمنين ص 88 ، والحجة 2 / 81 ، وأصول الاعتقاد 3 / 387 - 402 ، وشرح السنة 1 / 163 ، والتوحيد لابن مندة ص 32 . والصفات للحافظ عبد الغني ص 71 .